عمارة الذاكرة

٢٩ سبتمبر ٢٠٢١- ٣١ مارس ٢٠٢٢




كفنانة معمارية متخصصة مهنيًا في الحفاظ على المباني التاريخية، لطالما شعرت الفنانة الكويتية دانة الراشد برغبة قوية في استغلال أعمالها الفنية للتعبير عن رأيها المعارض لهدم المباني التاريخية القيّمة في الكويت لصالح بناء مباني خرسانية ضخمة جديدة.ة

ولمَّا كانت الراشد تستمد إلهامها من ثقافتها ومنطقتها ذاتها، عوضاً عن الاستعارة من التأثيرات الخارجية، فقد استعملت أسلوب المنمنمات الإسلامي – الذي يُعرف عادةً باسم "فن الكتاب" – في تصوير المواضيع المعاصرة ذات الصلة؛ فقد أبدعت الراشد كل منمنمة، بحيث تبدو وكأنها صفحة من كتاب، تحكي قصة الهوية المعمارية والتاريخ والمقاومة واجتماع الناس سوياً لإنشاء المجتمعات، ويعبّر عن سردية بديلة للرؤية التي يتم فرضها من قِبل الآخرين. ن

تتميز أعمال الراشد بجودتها من الناحية التوثيقية: فهي تصوَّر الأحداث المحيطة بهدم (أو خطر هدم) المباني التاريخية، حتى إنَّ بإمكان الرائي أن يرى رسومات لنشطاء مشاركين في الحدث بعدد من قطع الراشد الفنية. ومع ذلك، نجد أنَّ الواقع يمتزج بالخيال في تلك الأعمال، ويصبح الستار رقيقاً، فنرى فيها شخصيات من العصور العثمانية والصفوية والعباسية تسافر عبر الزمن، وتتواجد في المكان ذاته مع نشطاء ورفاق معاصرين. ن

تدمج الراشد أيضاً القديم مع الجديد، بأن تصنع هذه القطع الفنية رقمياً، فتعيد بذلك إضافة مفردات جديدة إلى الصيغة القديمة. فمثلاً، تستخدم الراشد فن البكسل بدلاً من الفسيفساء لصنع الأطر والمربعات والأنماط. ولكن على الرغم من أنَّ الأعمال الفنية تُصنع رقمياً، إلا أنَّ جودتها مضمونة؛ حيث إنَّ كل عمل من تلك الأعمال الفنية قد رُسم يدوياً باستخدام قلم حاسوب لوحي (بدون استخدام "دلو الطلاء"، أو أي "حلول" فورية). كما تم تضمين نص توضيحي بكلمات مقفاة موزونة (أو ما يُسمى بالسجع) مع كل قطعة فنية، لكي تظل محتفظة بالتصميم الأصلي للمنمنمات، التي كانت تنطوي في كثير من الأحيان على تلاعب بالكلمات. ت

هذا إلى جانب أنَّ هذه الأعمال الفنية تخدم غرضاً مهماً: تسليط الضوء على مفهوم التراث المعاصر وقيمته الهائلة، خاصةً بالنسبة لدولة حديثة العهد مثل الكويت: إذ لا يجب أن تكون المباني مشيّدة من الطوب اللبن أو مبنية منذ عشرينيات القرن الماضي لتكون لها أهمية تاريخية. بل إنَّه وفقًا لقوانين الآثار الكويتية، يمكن اعتبار أي مبنى تاريخياً إذا كان عمره أكثر من أربعين عاماً، وحتى المباني "الأحدث سناً" يمكن اعتبارها أيضاً تاريخية وفقاً لمجموعة متنوعة من العوامل، مثل الأسلوب المعماري الفريد وأهمية الأحداث المحيطة بالمبنى ذاته، من بين معايير أخرى يمكنها تحديد قيمة المبنى ومكانته بدقة. ة

ولمَّا كانت الكويت قد شهدت ازدهاراً اقتصادياً وثقافياً منذ أربعينيات القرن العشرين فصاعداً، تحوّلت فيه إلى دولة معاصرة، فقد كلّفت مهندسين معماريين دوليين من جميع أنحاء العالم آنذاك بإنشاء معالم رمزية بارزة تعبّر عن هذا التحوّل الهائل إلى العالم الحديث، مثل أبراج الكويت وأبراج مياه الكويت، اللذين هما مُتضمنان في أعمال الراشد الفنية، احتفالاً بقصة التحوّل الوطنية هذه. لكن بعكس هذين البرجين، هناك الكثير من الجواهر المعمارية الثمينة الأخرى التي إمَّا هُدمت أو مهددة بأن تُمحى من الوجود في أي لحظة، الأمر الذي يبرز الجانب القبيح من التحوّل المستمر نحو الحداثة: الهدم.م

تم ترتيب اللوحات الفنية كنصب في وسط صالة العرض تكريماً لإرث المباني التاريخي والثقافي والعاطفي. بالإضافة إلى ذلك٬ تم ترتيب اللوحات بتسلسل زمني حسب تاريخ إنشاء المباني٬ وذلك يوفر للزوار الفرصة للسير في خط الذكريات بالنسبة للكثير من الذين عاصروا الكويت الحديثة. أما بالنسبة لموقع المعرض٬ فقد تم اختيار استضافته في مبنى إسمنتي عصري٬ والذي يرمز إلى للحركة العمرانية التي تستمر في اجتياح البلد.د

وعبر هذا المعرض تأمل الراشد في أن تخلق نوعاً من الوعي بأهمية هذه المعالم التذكارية، وبآمال ورغبات ونضالات كويتيين كُثُر يرغبون في الحفاظ على هويتهم وذكرياتهم في صورة ملموسة.ة